أبي منصور الماتريدي

56

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

البشر ، وألّا شريك لله ، فبدا للأتباع ما كان الرؤساء يخفون في الدنيا . ويحتمل : وبدا لهم من صنيعهم ما قد أسروه وأضمروه في أنفسهم ظنوا أنه لا « 1 » يطلع على ذلك أحد ، وذلك كقوله : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [ الطارق : 9 ] ، وقوله : وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ [ العاديات : 10 ] وغير ذلك . ويحتمل : ما كانوا يخفون من الخلق ، أو بدا لهم ذلك بالجزاء . وقوله - عزّ وجل - : وَلَوْ رُدُّوا أي : إلى ما تمنوا أن يردّوا إليه . لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ . أخبر الله عن علمه بما قد أسروه في ذلك الوقت إنما كان في علمه أن يكون ، وإن كان من حكمه ألا يردوا في ذلك [ و ] أن الآية لا تضطر « 2 » صاحبها ، ولا قوة إلا بالله . وقال قوم : إن الخلود يلزم في النار بما « 3 » هم في علم الله أنهم يلزمون ما هم عليه لو مكثوا للأبد . وقال قوم : لم يجز لزوم العذاب بما يعلم الله من العناد من أحد لو امتحن بلا محنة ولا خلاف ، فعلى ذلك أمر الخلاف ، لكن الآية في خاص منهم ، وهم الذين اعتدوا [ وعاندوا ] « 4 » الحق بعد الوضوح ، على ما ذكر في كثير من الكفرة أنهم لا يؤمنون أبدا ، ثم أمهلهم على ذلك ، وهذا يبين أنه ليس يمنع الإعادة لما يعودون له لو كان يحتمل في الحكمة الإعادة « 5 » ؛ إذ قد أمهل وأبقى على العلم بذلك ، فعلى ذلك الإفادة ، لكنه أخبر عن تعنتهم . ثم ظنت المعتزلة أن الله لو علم أنهم يؤمنون لردهم إلى ذلك [ و ] إذ بين أنهم لا يؤمنون فيستدلون بهذا على أنه ليس لله قبض روح من يعلم أنه لو لم يقبضه يؤمن يوما من الدهر وقد بينا نحن أن ذلك لا يجب ، وإن كان أولئك في علم الله لن يعودوا إلى ذلك بما قد يترك في الدنيا من يعلم أنه يلزم الكفر ، وينجي عن المهالك من يعلم أنه يعود ، ثم قد يترك من يعود إلى الكفر على وجود ما به النجاة عنه ، والله أعلم . وبعد ، فإن الله - تعالى - قال : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 27 ] فبين أنه لم يبسط لئلا يبغوا ، وقال : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ

--> ( 1 ) في أ : ألا . ( 2 ) في أ : يضطر . ( 3 ) في ب : مما . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في ب : الإفادة .